أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
63
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت . » وقال كعب : من أراد شرف الآخرة فليكثر من التفكر . وكان أفضل عبادة أبي الدرداء التفكر وذلك لأنه يصل به إلى حقائق الأشياء ويتبين الحق من الباطل ويطّلع بها أيضا على خفايا آفات النفوس ومكائدها وغرور الدنيا ويتعرف بها وجوه الحيل في التحرز عنها والطهارة منها . قال الحسن رضي اللّه تعالى عنه : الفكرة مرآة تريك حسنك من سيّئك ويطلع بها أيضا على عظمة اللّه وجلاله إذا تفكر في آياته ومصنوعاته ويطلع بها أيضا على آلائه ونعمائه الجلية والخفية ، فيستفيد بذلك أحوالا سنية يزول بها مرض قلبه ، ويستقيم بها على طاعة ربه قاله الشيخ ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه فهذه ثمرات عزلة أهل البداية . وأما أهل النهاية : فعزلتهم مصحوبة معهم ولو كانوا وسط الخلق لأنهم أقوياء رضي اللّه عنهم محجوبون بالجمع عن الفرق وبالمعنى عن الحس استوي عندهم الخلوة والخلطة لأنهم يأخذون النصيب من كل شيء ولا يأخذ النصيب منهم شيئا وفي هذا المعنى : قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه : الخلق نوار وأنا أرعيت فيهم * هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم فإن أضاف المريد إلى العزلة الصمت والجوع والسهر فقد كملت ولايته وظهرت عنايته ، وأشرقت عليه الأنوار ، وانمحت من مرآة قلبه صور الأغيار ، وقد أشار [ الشيخ « 1 » ] إلى بعض ذلك متعجبا من ضده فقال : 13 - كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته « 2 » . « يشرق » بضم الياء : أي يستنير ويضيء ، « وصور الأكوان » أشخاصها ، وتماثيلها الحسية والمعنوية ، « والأكوان » أنواع المخلوقات دقّت أو جلّت ،
--> ( 1 ) الزيادة من : المطبوع ( 2 ) هذه الحكمة وما يليها إلى الحكمة السادسة عشرة حكمة واحدة وإنما فصل بينها الشارح قدس سره .